علم الاستدامة

علم الاستدامة   Sustainability science

أ.د. مضر خليل عمر

          باتخاذ العلوم المنحى التطبيقي لها فقد ازداد تماسها ببعضها البعض ، وتداخلت في الموضوعات التي تشترك في دراستها وتحليلها ، وطورت مفاهيما ومصطلحات جديدة ، التي بدورها قد شكلت محاورا للتقصي المعمق . ومن هذه الموضوعات : التنمية ، والتي تجاوزت المجتمع البشري لتشمل البيئة ولتربط بين الطبيعة والانسان بشكل جدلي وعملي ، مما ادى الى بروز مفهوم التنمية المستدامة . وميدان التنمية المستدامة رحب يسمح لتخصصات علمية مختلفة للتداخل والاشتراك في الدراسة وفي انجاز المشاريع البحثية و التطبيقية ، ولعل اهمها التخطيط لبيئة مستدامة حيث يرفل فيها الانسان بالرفاه المعاشي والمستوى الحضاري الانساني المتقدم .

اصدرت جمعية الجغرافيين الامريكان AAG موسوعة اشترك في كتابتها مؤلفون مميزون وكتاب لهم مكاناتهم العلمية المرموقة . الموسوعة تحت عنوان : الموسوعة العالمية للجغرافيا : السكان ، الارض ، البيئة و التقنية .([1]) وتتكون الموسوعة من (15) جزء ، وتم نشرها ورقيا والكترونيا ، ومتوفرة كمرجع في المكتبات : للجغرافيين ، والمختصين بعلم المعلومات الجغرافية GIScience ، وطلبة الجامعات من مختلف الاقسام العلمية حول العالم . ويتم تحديث معلومات الموسوعة سنويا ، فهي المرجع الموثق والرسمي للجغرافيين ولعقود زمنية قادمة .  وقد نشرت مقالات منها على شبكة الانترنيت مجانا ، منها مقال عن علم التنمية المستدامة . الذي رأيت ان يترجم للفائدة منه وللتعريف بالموسوعة عسى ان تكون ذات فائدة للباحثين ، الجغرافيين وغيرهم . فهذا المقال ترجمة بتصرف مع تعليقات للمترجم للتعريف بعلم جديد هو علم الاستدامة . ترجمة للمقال الذي كتبه Robert W. Kates في الموسوعة .

علم الاستدامة ميدان علمي تعود اصوله الى محاولات نخبة من المؤسسات للجمع بين موضوعي البيئة والتنمية البشرية ، وناتجة عن الكم الهائل من الدراسات المنشورة ذات الصلة باستدامة البيئة واستدامة التنمية البشرية . ويتسم علم الاستدامة هذا بأبحاث طموحة كما هو الحال في العلوم الزراعية وعلوم الصحة . حيث يتم التعريف بالمشاكل العملية للاستدامة وبالنظريات و النماذج التي تعنى بالتفاعل بين النظم الطبيعية والاجتماعية .  فتركيبته وبوضوح متجاوزة التخصص الاكاديمي التقليدي بقصد التكامل المعرفي بين العلوم الطبيعية ، والحيوية ، والاجتماعية ، والهندسية . وفوق كل هذا ، انه علمي تطبيقي يسعى الى الربط بين المعرفة واتخاذ القرار لمعالجة مشاكل محددة في الاستدامة .

بدايات علم الاستدامة

جذور علم الاستدامة نابعة عن تقارير رئيسة و وثائق اجتماعات دولية للجمع بين موضوعي البيئة والتنمية في الاتحاد العالمي لصيانة الطبيعة والحفاظ عليها (1980) IUCN واستراتيجية الحفاظ على العالم ، تبع ذلك   ، تقرير Bruntland عام 1987 الموسوم بمستقبلنا المشترك الذي اثمر مؤتمر قمة الارض في ريو دي جانيرو (1992) . وعلى الرغم من النجاح السياسي للتنمية المستدامة الا ان المحتوى العلمي بقي قليلا حتى صدور تقرير الاكاديمية الوطنية للولايات المتحدة عام 1999 ، جولتنا العامة ، الذي دعا الى تطوير علم الاستدامة ، وفي عام 2003 صدرت مجلته (PNAS) مستحدثة قسما يضم مئات المقالات العلمية التي تعني بعلم الاستدامة . الشكل رقم (1) يعرض بيانيا وكتاب المقالات و وقائع المؤتمرات المنشورة باللغة الانكليزية بين عامي 1974 – 2010 والتي ترد في عناوينها (الاستدامة) او (التنمية المستدامة) و المستخلصات او المفردات الرئيسة . و هناك ما يزيد عن (20000) بحث منشور في مجلات علوم الحياة ، الهندسة ، والعلوم الاجتماعية ، و (37000) كاتب مميز استنادا الى تنوع المؤسسات بين حكومية ، و اهلية ، ومنظمات مجتمع مدني و جامعة  ، موزعة بين (174) بلدا و (2200) مدينة . ومنذ عقد تسعينات القرن الماضي وعدد المقالات في تزايد يتضاعف كل ثمان سنوات تقريبا ، وبمشاركة عالمية واسعة بما فيها الدول النامية . وبتحليل الصلات المتداخلة بين الكتاب ، يبدو ان الموضوع قد وحد حوالي (2000) ، و برزت تكتلات للعلاقات المتداخلة بين الكتاب التي بدأت بالزيادة في الحجم يقابلها تداعي التكتلات التي تفتقد مثل هذه الصلات .

يعتمد علم الاستدامة على إيحاءات بحثية يمثلها نموذج ستوك الرباعي للبحث العلمي للمقارنة بين الاستيعاب الجوهري والاعتبارات المتداولة في المجتمع . وهذا مطلوب للمقارنة بين العلم التطبيقي و العلم الاساسي . الخيار الاخر لمثل هذا النوع من الابحاث قدمه لويس باستور بالربط بين علوم الزراعة والصحة .([2]) وضمن هذه الفئة فان  علماء الاستدامة يتعاملون مع المشاكل من خلال التركيز على التفاعل بين النظم الطبيعية والاجتماعية ، مع شيء من التأكيد على الحلول التطبيقية لمشاكل عملية . فعلم الاستدامة هو التفاعل بين النظم الطبيعية والنظم الاجتماعية .  وكان التعبير عن التفاعل بين النظامين ولسنوات عديدة بالصيغ الاتية : الطبيعة – المجتمع ، الاجتماعي – البيئة ، اجتماعي – ايكولوجي ، او البيئة البشرية وفي الغالب تمثل بشكل مربعات و اسهم في الرسوم التوضيحية وليس كنماذج عملية . وقد لعب الجغرافيون دورا رئيسيا في تطوير النظرة الى العلاقة المتبادلة بين الطبيعة والمجتمع في ابحاثهم .

وهذا البحث معني بالتفاعل المتكون  عالميا بين النظم الطبيعية والاجتماعية  ومن ملاحظات ثمان جغرافيين مميزين معنيين بالصلة بين العلوم الطبيعية و العلوم الانسانية مع تركيز عال على المكاني في هذه الصلات ،  وهم يتمتعون بسمات قيادية قوية  ([3]) .

(Mooney,  Duraiappah, and Larigauderie 2013, 3)

ورسوم المربعات والاسهم للتفاعلات بين المجتمعي – الطبيعة تضم عادة نظما ثانوية اجتماعية او بشرية ونظما ثانوية  طبيعية او بيئية و نظما اخرى خارجية تؤثر او تقوم بتعديل هذه النظم الثانوية . والباحثون يختلفون في تحديد المهم من عناصر هذه النظم . ومن خلال الكتابات فان الكثير من نظم الطبيعة – المجتمع تركز على النظم البيئية ، خاصة ما ينجم عنها من نظام ايكولوجي او خدمات بيئية (تموين ، حضارية ، معززة ، او منظمة لها) . ومن العناصر المهمة للنظم الاجتماعية الثانوية هي السكان ، التقنية ، الحوكمة ، والاقتصاد ، ولكن هذه نادرا ما تتفاعل وتدرس اساسا كعناصر منفصلة . وعند تمثيلها في النماذج تعد مدخلات خارجية او سيناريوهات . وكميدان بحثي بمنظور نظري عن نظم الطبيعة – المجتمع ، فان علم الاستدامة قد طور مجموعة من الاسئلة و الموضوعات البحثية ، وكما مبين في ادناه .

  • ما الذي يحدد شكل المسارات طويلة الامد و التحولات التي توفر الاتجاهات الرئيسة لهذا القرن ؟
  • ما الذي يحدد قدرة نظم المجتمع – الطبيعة على التكيف ، الهشاشة ، و المرونة ؟
  • كيف تصاغ النظرية والنماذج لتعكس بشكل افضل التباين في تفاعلات المجتمع – الطبيعة ؟
  • ماهي مبادى المفاضلة بين الرفاه الانساني و البيئة الطبيعية ؟
  • هل يمكن التعريف علميا للحدود التحذيرية الفاعلة لنظم المجتمع – الطبيعة ؟
  • كيف يمكن للمجتمع ان يقود و يدير بشكل فاعل التحولات في نظم المجتمع – الطبيعة ؟
  • كيف يمكن تقييم مسارات بدائل الاستدامة للبيئة و التنمية ؟

علم الاستدامة كمشكلة تطبيقية للاستدامة

الاسئلة المحورية لموضوعات البحث يمكن طرحها في أي مكان معين او قطاع نشاط بشري حيث تجري مشكلات تطبيقية للاستدامة . وفي البدء ، عام 1987 حددت ست قطاعات من قبل المجلس العالمي للبيئة والتنمية كتحديات على مستوى الكرة الارضية للتنمية المستدامة :

السكان والموارد البشرية ،

الامن الغذائي ،

النوع والنظم البيئية ،

الطاقة ،

الصناعة ،

و الحضر (المدن) .

وبإضافة الماء فإنها تظهر وفي مختلف المظاهر ، واخرها : الماء ، الطاقة ، الصحة ، الزراعة ، التنوع الحيوي ، و الحضر . العلماء والتقنيين الراغبين في المساعدة لتقديم المعرفة المفيدة في معالجة مشاكل الاستدامة يكون الافضل لهم عندما يتم التعاون مع المستخدمين الضمنيين وصانعي السياسات الذين لديهم في الغالب معرفة مباشرة يمكن المشاركة بها  . والمعرفة المنتجة بالاشتراك تعزز البحث عن الحلول الواقعية و المعرفة المباشرة هي التي ستعتمد .

تخصص علم الاستدامة

هناك ثلاثة انواع من التعامل بين التخصصات العلمية التقليدية عند محاولة استيعاب او معالجة مشكلة عملية او عملية . وبالصيغة الابسط بأسلوب تعدد التخصصات عندما تقدم التخصصات المختلفة منظورا يمثل كل واحدة منها بشكل منفصل للمشكلة قيد الدرس والابحاث الجارية في تخصصاتهم . الصيغة الاكثر تفاعلا بتداخل التخصصات حيث تجمع التخصصات ذات الصلة في فريق عمل للقيام ببحث مشترك عن المشكلة المطروحة للبحث والتقصي . ومعظم وظائف علم الاستدامة من هذا النوع . ولكن وبشكل متزايد فان العديد من علماء الاستدامة يطمحون الى الانتقال الى ما بعد المناحي التقليدية ، والتدريب و تجميع مجموعة الخبرات في تخصصاتهم المختلفة لتصب في معالجة المشكلة بفاعلية اكثر مما كان في تخصصاتهم منفردة . ولتحقيق ذلك فانهم يسعون الى التمكن من واستخدام الخبرات والمناحي المحتاجة لمعالجة مشاكل الاستدامة وبغض النظر من مصدرها .

علم الاستدامة عام 2015

ومنذ التوحيد كميدان علمي في بداية 2000 ، فان علم الاستدامة قد تجذر في المشاريع العلمية بأبحاث جديدة ، و منشورات ، ومؤسسات ، وفرص تعليمية . وكما لوحظ سابقا ،  فان الابحاث تسعى وبتصاعد لمعالجة مشكلات مع منظور فكري عميق يصاحب نظم المجتمع – الطبيعة . فلعلم الاستدامة مكتبة ثرية و الكثير من المنشور في المجلات العلمية . و يتزايد عدد المراكز و المعاهد العلمية و عدد المناهج المانحة للشهادات الاكاديمية المعنية بالتنمية المستدامة او علم الاستدامة وفي مختلف ارجاء العالم عاكسة التباينات الاقليمية في فهم العلم ومجاميعها المعرفية التي تحتاجها لتأهيل طلبتها . ولكن علم الاستدامة كعلم يافع ما زال هناك الكثير للقيام به . ولعل اهمها تحويل المعرفة الى افعال وانجازات عملية . والمشاكل العملية للاستدامة تدرس عادة بالاشتراك مع المعنيين في الحكومات المحلية ، الصناعة ، الحوكمة ، والمجتمع المدني ، رغم انه ما زال هناك فاصلا بين الحلول المقدمة و تضمينها لمعالجة المشكلة .

ينظر ايضا

Environment and development; Environmental science and society; Socio-nature; Sustainable development

المصادر

Bettencourt, Luis M.A., and  Jasleen  Kaur. 2011. “Evolution and Structure of Sustainability Science.” Proceedings of the National Academy of Sciences USA (PNAS), 49: 19540–19545. DOI:10.1073/ pnas.1102712108. Mooney, Harold A., Anantha Duraiappah, and Anne Larigauderie. 2013. “Evolution of Natural and Social Science Interactions in Global Change Research Programs.” Proceedings of the National Academy of Sciences USA (PNAS), 110 (suppl. 1): 3665–3672. DOI:10.1073/pnas.1107484110.

قراءات اخرى

Clark, William C. 2007. “Sustainability Science: A Room of Its Own.” Proceedings of the National Academy of Sciences USA (PNAS), 104: 1737–1738. DOI:10.1073/pnas.0611291104. Kates, Robert W., ed.2010. “Readings in Sustainability Science and Technology.” CID Working Paper 213. Cambridge, MA: Center for International Development at Harvard University. Kates, Robert W., William C. Clark, Robert Corell,etal.2001.“SustainabilityScience.”Science, 292(5517): 641–642. National Research Council, Board on Sustainable Development. 1999. Our Common Journey: A Transition Toward Sustainability. Washington, DC: National Academies Press. World Commission on Environment and Development. 1987. Our Common Future. Oxford: Oxford University Press.

 

[1] ) http://www.aag.org/cs/encyclopedia

[2] ) النظم نوعين ، مغلق و مفتوح للتأثيرات الخارجية ، فعندما يدرس الباحث في العلوم الزراعية او الصحية ، او غيرها من العلوم الاخرى مشكلة بحثية بمنظور النظم المفتوحة فهو سيركز على التفاعل والتأثير المتبادل بين عناصر النظام قيد الدرس و عناصر البيئة الخارجية (طبيعية او بشرية) وما ينجم عنها .

[3] ) يتسم علم الجغرافيا بالربط  الجدلي بين الانسان والطبيعة ، حيث يدرس البيئة التي يعيش فيها الانسان وينشط  وتنظيمها المكاني ، و يقوم بتحليل الصلة بين النظم الطبيعية واثرها على النظم البشرية . وهذه السمة من طبيعة علم الجغرافيا والمميزة له كعلم ثنائي المحاور  . و يوضح المنحى التطبيقي في الجغرافيا هذا ويؤكد عليه حيث يعتمده اساسا ينطلق منه  في التحليل واستخلاص النتائج .

الابعاد المكانية للتطورات التقنية

الابعاد المكانية للتطورات التقنية

منذ بدء الخليقة والانسان يسعى الى تكييف البيئة التي يعيش فيها وتنظيمها بما يتناسب مع متطلبات حياته والمستجد من تقنيات عصره . و لمتطلبات الانسان و التقنيات التي يستخدمها الاثر الكبير على سلوكه ، ولسلوكه بصمات على المكان ، (بشكل مباشر وغير مباشر) وعلى مختلف المقاييس والمستويات (الغرفة ، المنزل ، الحي السكني ، المستقرة ، الاقليم ، الدولة ، والعالم) . يستطرد هذا المقال اثر بعض التقنيات التي اعتمدها الانسان منذ القديم على التنظيم المكاني لاستعمالات الارض في المدينة ، اضافة الى الاشارة الى ما له علاقة بالمكان والدراسات المكانية .

عرفت المستقرات القديمة بشكلها الدائري ، و فسر ذلك بميل الانسان الى الحصول على اقصى المنافع باقل جهد ممكن (للتنقل) ، اضافة الى ان الشكل الدائري (القوس) يكون اكثر متانة و قدرة على مقاومة الضغوط الخارجية (في الحروب) . وبما ان مركز الدائرة مخصص للحاكم ، فان الحلقات المتتالية له تشغل حسب درجة القرب من الحاكم . وكانت الاسواق ، وعامة الناس في الغالب خارج الاسوار . فاستعمالات الارض اخذت شكلا دائريا متراكزا . وفي العهود الاسلامية الاولى ، كان المسجد الكبير في المركز ، يجاوره قصر الخليفة و من ثم تأتي البطانة والحاشية وبعدها الرعية . وللحمامات العامة مكانة في تصميم المدينة الاسلامية ، و يتوزع السكان بين احياء المدينة على اساس الانتماء القبلي .

وفي عصر الصناعة الاول ، وبسبب كلف النقل العالية و عدد ساعات العمل الطويلة فقد اصبحت المصانع هي المركز حيث يتجمع حولها السكان و بجوارها تقام الاسواق وتتجمع الخدمات العامة . لم يستمر الامر طويلا ، فبسبب التطورات التي حدثت في وسائط النقل وتقنياته ، ونتيجة الاحساس المتزايد بأضرار دخان المصانع على صحة الانسان فقد تم الفصل بين مكان العمل ومكان السكن ، فأخذت المدينة شكلا جديدا ، وكذا طرز الحياة . من هنا برزت نماذج برجس وهومر هويت وغيرهم عن التركيب الداخلي للمدينة . فهنا بدأ الاستقطاب و التخصص في استعمالات الارض بالتبلور والوضوح ، وتعمق اكثر في النوع الواحد . فالاستعمال التجاري له فئاته الخاصة به (جملة ، مفرد ، غذائية ، اقمشة وملابس ، وغيرها) ، وكذا الاستعمال الصناعي ، أما السكني فقد اخذ نمطا اجتماعيا واضحا للعيان حيث توزعت الاحياء السكنية واتسمت طبقا لساكنيها من الفئات الاجتماعية و العرقية  والاثنية وحتى المهنية. وقد رسمت خرائط المدن كموزائيك ، كلوحات تعرض تركيبها السكاني والاقتصادي . وشاع قول )) قل لي اين تسكن اقل لك من انت)) . كما صنفت بعض اماكن المدينة حسب مستوى الجريمة فيها ، وعد بعضها مناطق مشاكل ، والبعض الاخر مناطق محرومة من الخدمات العامة ، وهكذا . ومن هنا بدأ التخطيط على المستوى المحلي ، الاجتماعي والاقتصادي .

في هذه المرحلة ، وبسبب الفصل بين مكان السكن عن مكان العمل ، وانتشار تقنيات التبريد و حفظ الاغذية ، وارتقاع المستوى المعاشي وشيوع ملكية وسائط النقل الخاصة فقد برزت دراسات تعنى بالسلوك الجمعي للسكان بين مختلف الاستعمالات (الاماكن) : عمل – سكن ، سكن – تسويق ، سكن – ترويح وتسلية ، وبعض الدراسات اهتمت بأساليب التسوق و الترويح و علاقتها بنوعية الاسرة ومستواها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي . بعبارة اخرى ، ركزت الدراسات على السلوك وعلاقته بالمكان ، والذي اصبح لاحقا احد مؤشرات التخطيط الحضري وابرز مفرداته .

نتيجة اتساع الرقعة الحضرية ، و الميل للسكن في الضواحي والحافات الحضرية – الريفية ، و لان عملية الاتساع هذه كانت في الكثير من الاحيان على حساب مستقرات صغيرة تابعة للمدن أدت الى أسرها وضمها اليها ، لذا تعددت النويات وتباينت في احجامها و ما تقدمه من تسهيلات تجارية و خدمية ، و التي اخذت شكلا هرميا (حسب نظرية الاماكن المركزية لكرستالر) . كما ظهرت الشوارع التجارية ، وتخصص البعض منها بالخدمات الصناعية (اصلاح العجلات مثلا)، او بمهنة معينة (شارع الاطباء مثلا) وهكذا . فالتوزيع النهائي مكاني جراء عمليات لا مكانية (استقطاب ، القوة الطاردة من المركز ، القوة الجاذبة للمركز) .

كرد فعل للأضرار الصحية الناجمة عن بيئة المدن الصناعية اتجه الكثيرون الى العودة الى الطبيعة ، والمطالبة بتحسين البيئة الحضرية . وبالاتجاه الى الطبيعة ودراسة عملياتها تشكلت مدارس فكرية تأخذ من الطبيعة ما له نظير في المدينة ، مدرسة شيكاغو البيئية على سبيل المثال . فقد نظر للمدينة ككائن حي ينمو ويمرض و يترهل ، وكل كائن (حي ام لا) يمر بدورة حياة ، ومعرفة خصائص كل مرحلة من مراحل دورة حياته تساعد في  تخمين المتوقع في المرحلة اللاحقة . وبمعرفة دورة الحياة للاستعمال السكني مثلا ومتابعة عمليات التغلغل والانتشار والسيادة من قبل الاستعمالات الاخرى فيه تتغير المناطق السكنية تدريجيا ،
و تخطيطيا ايضا . ويكمل هذا ، من الناحية السلوكية ، معرفة الحراك السكاني  واتجاه (عملية الفلترة) في المناطق السكنية . بعبارة اخرى ، تدرس المدينة كمنظومة متكاملة ، متفاعلة مع نفسها ، ومنفتحة على محيطها الخارجي . فأي شيء مرتبط بكل شيء .

اختلف سلوك التسوق طبقا لتوزيع الاستعمال التجاري في المدينة ، فعندما كانت تقنيات خزن المواد الغذائية بسيطة ، كانت المحلات التجارية متخصصة بسلعة معينة ، ومع تطور تقنية التبريد والاتجاه الى ان تكون المحال التجارية متنوعة البضائع ظهرت الاسواق الكبيرة super markets ، و الكبير جدا منها اتجه الى اطراف المدينة حيث المساحات الواسعة للخزن ولإيواء سيارات العملاء والزبائن .  لقد تطور السلوك التسويقي الى ما يعرف (اشتري كل ما تحتاجه للبيت في مكان واحد) . ومع التوجه في البناء العمودي و التنافس التجاري فقد انتشرت مثل هذه الاسواق الكبيرة والعملاقة Malls في مختلف ارجاء المدينة . لقد اصبح هذا النوع من المراكز التجارية ميدانا ترويحيا ايضا . رافق ذلك الدعوة الى جعل الاحياء السكنية تحتوي ذاتيا ما تحتاجها من خدمات . وبهذا انتشر الاستعمال التجاري وبأحجام متباينة بين مختلف ارجاء المدينة . وعد البعض هذا من سمات مدن العولمة ومتطلبات توفير مستلزمات الحياة في مختلف ارجاء المدينة .

ومن آثار تقنيات الاتصالات المعاصرة على سلوكيات المجتمع المكانية هو الانفتاح على الاماكن الاخرى والتواصل معها ، و تشكيل مجاميع تنسجم مع بعضها البعض ومن اماكن مختلفة ، والانفصال ذهنيا عن مكان التواجد . وحتى عملية خزن المعلومات لم يعد لها مكان على الارض ، بل في غيوم افتراضية . فالمكان اصبح له معنى آخر ، وكذلك المجاميع البشرية والسلوكيات . وبتطور تقنيات التوقيع المكاني GPS و الاستشعار عن بعد و التحليل المكاني باعتماد نظم المعلومات الجغرافية بدأت مرحلة تحليل الامكانات الذاتية للمكان و اختيار المكان الانسب ، ورسم حدود النطاق المكاني للظاهرة او الحدث . ادى هذا الى التفكير الى تسليط الاضواء على اماكن مهجورة تعد الحياة فيها صعبة او مستحيلة . فالمكان الذي تراه العين هو ليس ما تراه تقنيات الاستكشاف المعاصرة . بعبارة اخرى ، ستؤدي التقنيات المعاصرة الى تغيير جذري في توزيع الاماكن وتسمياتها و سماتها . فكل شيء قابل للتغيير وباتجاهات يصعب ادراكها للوهلة الاولى ومن قبل من لا دراية له بالمستجدات و ما ورائها .