الرئيسية / الجغرافيا : تدريسا و بحثا / التوسع الافقي والعمودي في الجامعة

التوسع الافقي والعمودي في الجامعة

التوسع الافقي والعمودي في الجامعات

أ.د. مضر خليل عمر

 

لعل ما تعاني منه الدراسة الجامعية من تدني له جذوره في الاتجاه العام السائد منذ عقود ، وهو الميل الى التوسع الافقي في فتح الاقسام العلمية و الكليات (اكثر من قسم جغرافيا مثلا في الجامعة الواحدة) ، ومن ثم التوسع العمودي (فتح دراسات عليا) لاقسام مازالت في اول مراحل تكوينها العلمي . ولعل هذا سببا مباشرا ، ايضا ، لعدم وجود مدرسة فكرية مميزة لاي تخصص علمي وفي اي جامعة عراقية .

ساركز على الجغرافيا بحكم الاختصاص ، فوجود اقسام جغرافيا في الجامعة نفسها : كلية التربية ، كلية الاداب ، كلية التربية الاساسية ، كلية التربية للبنات ادى ان تتشكل اقساما بالحدود الدنيا من الملاك العلمي وباقل الخبرات العلمية والمهنية . تتفاقم الحالة سوء عندما لا يكون هناك تعاون بين هذه الاقسام ، بل في بعض الاحيان هناك قطيعة وتتعمق مع الايام . المتضرر  : علم الجغرافيا ، البلد ، والطالب .

يتضرر علم الجغرافيا من هذه الحالة ببعثرة الجهود العلمية وعدم وجود استراتيج بحثي للقسم العلمي ، وبالتالي لا تتوافر فرص تشكيل مدرسة جغرافية ولا مراكز بحثية مكانية ولا فرص لانضمام الجغرافيين وعملهم في وحدات ومراكز بحثية متعددة التخصصات (بيئة ، تنمية ، تخطيط ، نقل ، سكان ، اقتصاد ، خدمات مجتمعية ، اسكان وغيرها) . مثل هذه المراكز البحثية تجذر المعرفة والخبرة البحثية و تنهض بالاختصاص من خلال تلاقح الافكار والرؤيا . يضاف الى ذلك ، انشغال التدريسي بالقاء محاضرات في موضوعات منوعة بدلا من التركيز على التخصص و التعمق فيه . هذه الحالة لا تجعل بحوث التدريسي  ذات صلة بما يقوم بتدريسه ، لانها لا تثير تساؤلات بحثية ولا تجذب الانتباه الى نقاط بحاجة الى تقصي وتعمق في الاختصاص . حينها يعتمد الملازم (بعد ان انتهت مهمة الكتب المنهجية) ويكتفي بها .

يتضرر البلد بتخريج شريحة واسعة جدا من حاملي الشهادات الجامعية الناقصة التاهيل العلمي . و تكون الفائدة من حملة الشهادات العليا منحصرة في (التعليم) و كتابة (اوراق بحثية) لاغراض الترقية ، و تجميد الوظيفة الثالثة للجامعة : خدمة المجتمع ، وربط الجامعة بالمؤسسات الانتاجية والخدمية ، وبالتالي تعطيل حركة تقدم المجتمع علميا وحضاريا وانسانيا . وفي مثل هذه الاجواء يرتع مرابو الشهادات الجامعية و الفاسدين في مؤسسات الدولة ، وينحرم المجتمع من طاقات هائلة كان المفروض ان تخدمه لا أن تكون عبئا ثقيلا علية .

يتضرر الطالب لانه لا يتلقى تعليما كاملا ولا تاهيلا حقيقيا في الاختصاص ، وعندما تسوء سمعة الجامعة والتخصص فان فرص عمل خريجيها (في الداخل والخارج) تكون ضئيلة جدا . انه ينظر للعلم كمعرفة عامة – متخصصة ، وان الفائدة من التخصص محصورة  في اروقة الجامعة مع الشلة والزملاء . وهذا هو الضياع الحقيقي الذي يضر بالبلد و يدفع الشباب الى الانخراط في مسالك تضرهم اولا و تدمر مستقبل البلد ثانيا .

ارحموا العراق يرحمكم الله

مقترح معالجات
للتوسع الافقي والعمودي في الجامعات

أ.د. مضر خليل عمر
نشرت سابقا وجهة نظر عن احد اسباب تداعي مستوى التعليم الجامعي ، التوسع الافقي والعمودي في الجامعات العراقية ، وقد نال المقال استحسان الكثيرين ، وقد وردتني تعليقات وتعقيبات حول الموضوع . ومنها رسالة الاخ والزميل العزيز أ.د. مالك الدليمي … انقل ادناه نصها :
((ان ماطرحته حول التعليم بشكل عام والجغرافيا بشكل خاص امراً في غاية الاهمية لبلد مثل العراق لايمكن الا ان يكون بهذا المستوى من الطموح والتطور في اشكالية موضوع الجغرافيا اني اتفق مع كل ماطرحته وارى انه من الضروري ان نفكر في وضع خطة ينبري لها اصحاب الخبرة ومن مدارس مختلفة اترك لك مهمة التنسيق وتحديد زمن ومكان اللقاء ولو عبر تطبيق zoomلمناقشة كيفية النهوض بعلم الجغرافيا الذي تراجع يا للاسف بشكل مخيف في وقتنا الحاضر بينما وكما تعلم ويعلم الجميع انه علم الجغرافيا وجد له مجالا متقدما ورائعا من خلال ولوج الجغرافيون في مواضيع شتى دخلت في صلب العلم .)) .
لنفكر مع بعض ، وكما قيل ((القوم التعاونت ما انذلت)) ، ما هي السبل التي يمكن ان نعيد الحياة الى الجغرافيا كعلم ميداني مليئ بالحياة ، متفاعل مع تخصصات العلوم الاخرى ، واضعا بصماته المكانية على مفاصل حياتنا الشخصية والاجتماعية والسياسية و الاقتصادية و البيئية ؟ ارى ان نعالج الموضوع ونناقشه بعمق وروية باعتماد السبل المبينة في ادناه .
1) اجراء حوار Debate ننقسم كجغرافيين الى مجموعتين ، الاولى ترى ان الوضع الراهن جيد ويمكن الابقاء عليه مع اجراء بعض التعديلات ، خاصة وان الامر مرهون بطبيعة النظام التعليمي السائد حاليا في الجامعات العراقية . المجموعة الثانية تقف على الطرف الاخر تطالب بالتغيير الجذري . تقدم كل مجموعة ما يبرر موقفها و مفندة رأي الطرف الآخر . بمعنى : حوار علني يتم التهيوء له وينقل عبر وسائل نقل المؤتمرات والندوات عبر الشبكة الدولية تتولى امره احدى اقسام الجغرافيا و تسجل اسماء من سيشترك في الحوار ويقدم رايه في الموضوع مسبقا ، ويسمح للاخرين بالمشاركة ايضا . يتطلب الامر ، ايضا ، ان يكلف احد الزملاء بتوثيق الاراء وتقديم خلاصة في نهاية النشاط . اي ان يعرض ابرز النقاط التي طرحت من الطرفين مستخلصا النتيجة .
2) عقد مؤتمر علمي لمناقشة (( الجغرافيا في عصر المعلوماتية : تدريسا ومنهجا وفلسفة)) . تتولى عقد المؤتمر احدى الجامعات وبالتعاون مع الجامعات الاخرى (محليا وعربيا ودوليا) ومراكز الابحاث والمؤسسات ذات الصلة . وما يخرج به المؤتمر يكون ورقة اصلاح للوضع الراهن للجغرافيا واقسامها العلمية .
3) ما اراه شخصيا قد يواجه برد عنيف لانه يتطلب قرارا علميا – سياسيا – وطنيا صلبا . في الجامعات التي فيها اكثر من قسم جغرافيا ، توحد فيها الاقسام ، ويمكن رسميا تسميتها والتعامل معها ككلية جغرافيا او مدرسة الجغرافيا School of Geography . يكون نظام المقررات هو المعتمد فيها . وتضم اقسام \ فروع (في حال المدرسة) : جغرافية المناخ ، جغرافية اشكال سطح الارض ، جغرافية المياه ، جغرافية التربة ، طرائق تدريس الجغرافيا ، قسم الخرائط ونظم المعلومات ، قسم التقنيات التحليلية ، الجغرافيا الاجتماعية ، جغرافية السكان ، جغرافية الزراعة ، جغرافية الصناعة ، جغرافية الخدمات والمنافع العامة ، جغرافية السياسة ، جغرافية السياحة ، جغرافية التخطيط والتنمية ، وغيرها . ليس بالضروري شمول هذه التخصصات جميعا بتشكيل الاقسام ، بل ممكن ان تكون بصيغة وحدات بحثية تخصصية ، ويفضل هنا ان تكون متعددة التخصصات ، تضم باحثين من الاقسام العلمية ذات الصلة . السؤال الصعب : من يجرؤ للقيام بمثل هذه الثورة العلمية ؟
4) لنكتب ما نفكر به لصالح البلد و العباد ، والاختصاص ، وليكن افقنا واسعا نتقبل الاراء الاخرى و نحاورها بموضوعية ، خاصة وان هناك منتديات جغرافية و توجه واضح من قبل الكثيرين لتبادل الرأي . اقترح على اخوتي وزملائي ، شيوخ الجغرافيا على وجه الخصوص ، ان يدلو بدلائهم ويغنوا الموضوع بارائهم السديدة ، و ان يمارسوا دورهم في تفعيل المقترحات اعلاه .

والله من وراء القصد ، وهو ولي المؤمنين .

 

عن الدكتور مضر خليل عمر الكيلاني

متقاعد حاليا ، ارحب بكل من يحتاج مساعدة للتعلم واكتساب خبرة في البحث العلمي ، والجغرافيا بشكل خاص ، وكلي استعداد لتقديم يد العون ، لوجه الله .

شاهد أيضاً

الانتشار المكاني

عملية الانتشار المكاني           المكان حيث توجد الحياة  (اي كان ومهما كان نوعه وطبيعته ، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *