الرئيسية / الجغرافيا : تدريسا و بحثا / فلسفة الجغرافية وطبيعتها

فلسفة الجغرافية وطبيعتها

الفضول العلمي

أ.د. مضر خليل عمر

ديننا الحنيف امرنا بطلب العلم من المهد الى اللحد ، والتقاعد الوظيفي لا يحول دون الفضول الجامح لزيادة المعرفة وتوسيعها ، ان لم تسنح الفرصة لتعميق الخبرة والتجربة المهنية . وبتزايد الحديث عن الذكاء الاصطناعي و دور النت في الحصول على اجبات لاسئلة تدور في الذهن ، دفعني فضولي لتوجيه سؤال الى (كوكل) مفاده : ما هي فلسفة الجغرافيا ؟ وعلى ماذا تركز ؟ فجائني الرد سريعا بمقال عنوانه (فلسفة الجغرافية وطبيعتها) ، انقله  نصا ادناه بقصد توسيع مدارك بعض الجغرافيين الشباب و استكمالا ما قد سبق طرحه ومناقشته في مؤتمرات اقامتها اقسام الجغرافيا في بلدنا الحبيب .

جواب كوكل

يتضح من موقع الجغرافيا بين فروع العلم المختلفة ، أنها ذات طبيعة متميزة ، تختلف عن العلوم المتخصصة الاخرى . وهذه الطبيعة تنطوي على نقطتين أساسيتين ، وهما  :

أولا – أنها ذات نظرة شمولية  ، ينفرد بها الجغرافي في رؤية الحقائق والعلاقات ، مجتمعة في إطار المكان . ولكن الشمولية لا تعني تجميعاً لعناصر متفرقة ، إنما هي خلية تنبض بقوانينها الخاصة ، التي تشكل طبيعتها وطبيعة مكوناتها الأساسية ، حسب تعريف (بياجيه). فالجغرافية تكاد تنفرد بين العلوم الأخرى ، من حيث دراستها لخليط من الظواهر المتنافرة ، التي تقوم بتصنيفها . والتوليف بينها ، لتستطيع أن تقدم لنا صورة واضحة متكاملة عنها  . ” ولا شك في أن عملاً بهذه الشمولية ، قد يبدو موسوعياً فضفاضاً لا ساحل له ، ولكنه علم تكاملي بالضرورة ، فهو عمل علمي أكاديمي ، ونظام فكري ، ونسق منهجي ، ومعمار بنيوي ، يقوم على الخبرة والأصالة والإبداع “، كما يقول جمال حمدان .

فالجغرافية ذات فلسفة متميزة ، تقف على النقيض من العلوم المتخصصة ، بطريقة النظر إلى الأشياء مجتمعة . وتعد بمثابة حركة تصحيحية للعلوم المتخصصة ، وتلتقي على صعيد واحد مع الفلسفة الجشطالتية  Gestalt ، الداعية إلى إذابة الحواجز الظاهرية ، وإزالتها قدر المستطاع ، بين العلوم المختلفة ، بحيث تحل العلوم المتداخلة ، المندمجة والمتكاملة (Multidisciplinarity& Interdisciplinarity)  محل العلوم المتعددة والمنفصلة . ويمكن أن نشهد ذلك أيضاً في نظرية المجال الموحد في العلوم ، وفي عدد من المشروعات المهمة ، مثل مشروع تكامل العلوم في اسكتلندا ، والمشروعات الأمريكية السبعة عشر المعروفة بالرموز .I.S.C.S، لإيجاد التكامل بين العلوم الفيزيائية والبيولوجية والجيولوجية والفلكية ؛ إذ يتعذر على الطالب معرفة أين تبدأ الظاهرة الفيزيائية ، وأين تنتهي الظاهرة البيولوجية ، ومن ثم فهو يرى في البيئة كلا لا يمكن فصم عراه . والواقع، أنه لم تعد هناك حواجز وفواصل في البيئة الواحدة ، بل هناك تشابه وتداخل وتكامل ؛ فالفواصل التي كانت قائمة مثلا بين النبات والحيوان قد أخذت في الذوبان بعد الاكتشافات المتعاقبة ، والتي كان من شأنها إقرار وحدة عالم الأحياء .

هذه النظرة الشمولية كانت واضحة في الجغرافية العربية ، وهذا ما أكده (آندريه ميكيل) بقوله : «إنه لم يرد في الجغرافية العربية ما يثبت أنها لم تكن تعي شمولها الظاهرات الطبيعية والبشرية والفلكية ، وقد تغري عناوينها القارئ أحيانا، فتدفعه إلى الاعتقاد بوجود شيء من التخصص فيها ؛ في حين تظل في الواقع علماً كلياً تتعذر تجزئته . وهي موحدة في جوهرها ؛ لا تفصل الارض أو الإنسان عن الكائنات الأخرى … وبالتالي أخذتها مثلما أرادت أن تكون : كلية  “. إن معظم العلوم تتخصص في مجموعة معينة من الظاهرات ؛ كالنباتات أو الحيوانات أو المياه أو الفلزات… إلخ. ولكن الجغرافي لا يدرس هذه الظواهر لذاتها ، بل ينظر إليها على أنها أجزاء من كل (كل مكون من أجزاء)، توضح وتفسر شخصية المكان ، لأن المكان هو الشيء الذي يتطلع إليه الجغرافي باستمرار . وهذه النظرة إلى الظاهرات على أنها أجزاء من كل (كل مكون من أجزاء)، تذكرنا بالوعي الكامل للسياق ، والذي يرى أن الكلمة تكون أكثر دقة ، إذا فهمناها من خلال عبارة ، والعبارة تكون أكثر دقة ، إذا فهمناها من خلال فقرة ، والفقرة تكون أكثر دقة ، إذا فهمناها من خلال كتاب …إلخ.

وعلى الرغم من أن تسمية الجغرافية تدل على أن المكان هو موضوعها (OF Science space)، إلا أنها لم تشارك غيرها من العلوم الأصولية (Systematic) اقتسام عناصره ، إنما اختصت بدراستها مجتمعة … متفاعلة متكاملة .. ثم جمعت بين المكان والإنسان في منظومة واحدة ، أخضعتها للنظرة الشاملة نفسها ، التي تميزت بها عن العلوم الأخرى . ويعبر (أندريه ميكيل) عن هذه الفكرة بقوله : ((إن الجغرافية لا تدخل في قائمة العلوم المتخصصة ، بل ترتبط بها جميعاً ، فهي كالنحلة التي تجني رحيقها من الزهور جميعاً : إنها لا تخصصية .. تنزع إلى النظرة الكلية (الشمولية)، وتمزج شتى المعارف التي ترجع إلى أصول مختلفة..، ولن يستطيع سواها من العلوم أن ينازعها شرف الانفتاح على جميع المؤثرات بلا استثناء) .إن الجغرافي يتخصص في عدم التخصص، وقد وصف كذلك لأنه هو المتخصص الذي يضرب بجرية في العلوم كلها ، يربط الأرض بالناس ، والحاضر بالماضي، والمادي باللامادي ، والعضوي بغير العضوي ، ويكاد يتعامل مع كل ما تحت الشمس وفوق الأرض ، من خلال وجهة نظر موحدة وأصيلة ، هي الإقليم والفكرة الإقليمية  .

ويرى (كانت) أن الجغرافيا – كما هي حال التاريخ – تختلف اختلافاً أساسياً عن العلوم الأخرى ؛ فالجغرافيا تدرس جميع الظاهرات ، المنتظمة وفق أبعادها المكانية ، وبمعنى آخر ، إنها تدرس قطعة من المكان بكل ما فيها من ظاهرات في زمن محدد . بينما يدرس التاريخ جميع الظاهرات ، المنتظمة وفق أبعادها الزمانية . وبمعنى آخر ، إنه يدرس قطعة من الزمان بكل ما فيها من ظاهرات في مكان محدد . ويشكل العلمان معاً (الجغرافية والتاريخ) ( كامل مدركاتنا الحسية ).

لقد تفرع العلم إلى فروع كثيرة ، وتشعب التخصص إلى شعب عديدة ، ومن ثم ، فقد أصبحت الحاجة ملحة إلى التعميم بعد التفصيل، وإلى الكليات بعد الجزئيات ، وهذه الطريقة تكاد تكون مجهولة في العلوم التحليلية بوجه عام . ومثل هذه النظرة (لرؤية الأشياء مجتمعة) لا تقع العين عليها بيسر وسهولة ؛ فهي نظرة شمول وإجمال ، تكاد تنفرد بها الجغرافية عما سواها . وهناك منظوران يمكن الاقراب من خلالهما من الحقيقة ، وهما : وجهة نظر الطائر ووجهة نظر الدودة ؛ الأولى تحلق وتعمم ، وتلتقط الخطوط العريضة الأساسية ببراعة وشمولية وانسيابية ، دون أن تفقد نفسها في خضم التفاصيل الدقيقة ،  والثانية على العكس منها ، تركز على التفاصيل الدقيقة، تحدق وتغوص في الدقائق وما دونها غوصاً. والجغرافية أقرب لوجهة نظر الطائر من الدودة ، ومن ثم فهي نظرة (تلسكوبيه) أكثر مما هي (ميكروسكوبية). إن اللوحة التي يرسمها الجغرافي للإقليم ، ليست مجرد المعلومات والبيانات التي يحصل عليها من العلوم الأخرى ؛ إنها صورة جديدة تماماً عن موادها الأولية ، ومثلها في ذلك كمثل اللوحة الزيتية التي يرسمها الفنان ، فهي لا تساوي أبداً حاصل جمع الألوان التي استخدمها في هذه اللوحة الفنية .

ثانيا – إنها نظرة تكاملية ، تنظر إلى العلاقة بين الإنسان والبيئة نظرة تكاملية، كاللحمة والسداة . وبتعبير آخر ، ترى أن المكونات الحية وغير الحية تعمل مجتمعة كوحدة متكاملة ، وفقاً لقوانين طبيعية وأحيائية. على اعتبار أن الاثنين طرفان في ذلك الكل المثال ، الذي يؤلف وحدة تخفي تحتها كثيراً من العناصر المتباينة المتشابكة . وهذا يعني أن الجغرافية تلجاً إلى تطبيق (المنظار المزدوج) على صورتنا الفكرية الشاملة المتكاملة ،  علماً بأن ما ينبغي أن نربطه هو جوانب عديدة لا جانبان فقط . والجغرافي في حمى من أخطار التخصص بحكم طبيعة موضوعاته ، ولا شأن له بتلك النظرة الفاحصة بعين واحدة   . والواقع، أنه في الخروج إلى الطبيعة ، يمكن أن نجد الدليل على سلامة وجهة النظر الجغرافية ، حيث نشهد الوحدة والانسجام بين الطبيعة والإنسان ، والرابط بين الظاهرات الطبيعية والبشرية ، وندرك أن اتساق الأشياء وعلاقاتها ببعضها هي حقائق كالأشياء نفسها . والجغرافي – وحده – هو الذي يقوم بدراسة هذا الاتساق وتلك العلاقات بين الظاهرات .

فالإنسان، على مر السنين، تكيف مع بيئته ، وكيفها حسب حاجته ، تماماً كما هي حال الحلزون في قوقعته!. ، ومع ذلك ، فالعلاقة بين الإنسان وبيئته أوثق وأشد ، لدرجة يصعب معها تحليل العوامل المؤثرة من طرف واحد ؛ من الإنسان في البيئة ، أو من البيئة في الإنسان . وهذه العلاقة تنمو عبر القرون باستمرار، مشكلة وحدة متفاعلة مترابطة متكاملة، هي الإقليم  . والنظرة البيئية التكاملية في الجغرافية ، تتميز عن ما في سواها في العلوم الأخرى ، إذ إنها تشكل جزءاً هاماً من منهجها، كما أنها تحفظ للجغرافية وحدتها ؛ ذلك أن إغفال دراسة العلاقة بين عناصر الجغرافية المختلفة إنما يؤدي إلى أن تصبح الجغرافية أشتاتاً غير مرابطة من العلوم الطبيعية والبشرية ،  كما تعرض الجغرافي إلى التعدي على هذه العلوم الأصولية ، فالرابط الوظيفي والتفاعل البيئي بين الظاهرات المتنافرة يضمن وحدة العلم الداخلية .

وإذا كان الاتجاه السائد الآن ،  هو النظر إلى العلاقة بين الإنسان والبيئة نظرة تكاملية ، فإن هذا لا يمنع من اختلاف التخصص والنظرة ، وتغليب جانب على آخر في البحث والدراسة . وفي الواقع ، إن الفرق بين الجغرافية الأصولية والجغرافية الإقليمية ليس فيما تدرس (من مواد) بقدر ما كيف تدرس (هذه المواد)؛ أي: من خلال منهج الدراسة  .وهناك خطر يرتب على التقسيم المفتعل لعلم الجغرافية إلى جغرافية طبيعية وجغرافية بشرية ،  إذ إن مثل هذا التفريق هو الشيء الذي وجدت الجغرافية لعلاجه ، بل إنه يتنافى مع هدفها الأساسي في الربط بين المظاهر الطبيعية والبشرية ، ومحاولة إبراز «جانبي» الحقيقة في صورة واحدة . وقد أشار إلى هذه الخطورة الجغرافي البريطاني (هربرتسون)، حينما وصف هذه الظاهرة ؛ ظاهرة تقسيم الجغرافية إلى طبيعية وبشرية، بجريمة قتل علمية . ولا شك في أن الدراسة الإقليمية تستطيع أن تخلص الجغرافية من ورطة الازدواجية ، ذلك أن الإقليم هو بمثابة الوعاء الذي يشمل مختلف الظواهر، وفيه يمكن تحليل التداخل بين المظاهر الطبيعية والبشرية . وعلى هذا النحو يصبح الإقليم بؤرة اهتمام الجغرافي وميدانه التخصصي.

ومما سبق، يمكن أن نخلص إلى الأمور الآتية :

–  يتفق الجغرافيون على أن الجغرافية هي علم المكان .

–  ولا يختلفون في أهمية العنصر البشري في المكان .

–  فذا أهملنا العنصر البشري دخلت مباحثها فوراً في نطاق العلوم الطبيعية .

–  وإذا أهملنا العنصر الطبيعي دخلت مباحثها فوراً في نطاق العلوم الإنسانية . فالجغرافية هي العلم الذي يوحد بين الظاهرات المختلفة ، طبيعية وإنسانية ، في المكان ، من وجهة نظر إنسانية ، وهذا هو الوضع الطبيعي للأشياء؛ بمعنى أنها تهتم باللحمة والسداة معاً .

–  والخروج على هذين المبدأين يؤدي إلى الخروج من ميدان الجغرافية إلى ميادين أخرى .

–  والالتزام بهذين المبدأين تأكيد لهوية الجغرافية ومبرر لوجودها . ومثل هذه النظرة ليست تحليلية ، وإنما هي تركيبية (من الناحية المنهجية)، على خلاف العملية التحليلية في العلوم الأساسية ، وهذه النظرة تكاد تكون مجهولة في كثير من العلوم التحليلية . وهذا لا يعني أن الطريقة التحليلية لا مكان لها في الدراسات الجغرافية ، فلا تحليل بلا تركيب ، على حد قول (بولسان)، ولكن الاختلاف في درجة التركيز.

وهذه النظرة التركيبية ، تذكرنا بمدرسة علم نفس الشكل (أو الشكلانية) التي تمثل ثورة ضد التحليل : من الإلحاح على الجزء إلى الإلحاح على الكل . إنها ثورة على الإغراق في البحث عن العناصر والجزئيات وقوانين ترابطها وتركيبها وتوليفها . وقد أطلقت المدرسة الجشتالتية على هذا المذهب اسم : سيكولوجيا القرميد والملاط ؛ أي : إنها تبني القرميد وتجمعه بواسطة الطين ، الملاط (قوانين الرابط). إن تقسيم الجغرافية إلى طبيعية وبشرية ، إنما هو تمييز لما هو متلاحم ومترابط في الواقع ، وتقسيم الجغرافية يبدد النظرة الشاملة ، وبالتالي يمزق وحدة المنظور، وليس ثمة ما يحمي الجغرافية من الشرود ، سوى الالتزام بمبدأي التكامل والشمول . فالتقسيم إلى طبيعية وبشرية هو من أجل التحليل والدراسة فحسب ؛ لأن الجغرافية كالعملة لها وجهان ، إذا مسح أحدهما فقدت العملة قيمتها .

والجغرافيا هي : « فن عدم فصل ما وصلت الطبيعة » على حد قول  دولابلاش  Blache ومثل هذه النظرة ليست تحليلية فحسب ، إنما هي تركيبية لا تخصصية ، لأنها تصل ما فصلته التخصصات الأكاديمية الضيقة ، ولا سبيل إلى وحدة الجغرافية بغير الأساس الإقليمي ، على حد قول (دولابلاش). وثنائية الجغرافية الطبيعية – البشرية ليست الوحيدة ، فهناك ثنائيات أخرى معروفة ، مثل ثنائية الجغرافية الأصولية – الإقليمية ، وثنائية الحتمية – الإمكانية ، وثنائية الوصفية – الإحصائية… وكلها في الحقيقة ثنائيات زائفة. ولم تتوقف المشكلة عند هذا التقسيم ، فالمادة الجغرافية قد ترامت أطرافها إلى حد بعيد ، وأصبح لها اليوم فروع تخصصية كثيرة ،  فإذا ما أصبحت هذه الفروع ( في الجغرافيا الأصولية) غايات في حد ذاتها ، فهذا يعني السير في وجهة تغاير وجهة النظر الجغرافية الصحيحة . فالجغرافية بطبيعتها دراسة شمول وإجمال ، والتخصص الجغرافي إذا لم يفهم الفهم الصحيح يعني، في الواقع ، السير في الاتجاه المضاد ، والقضاء على الجغرافية في نهاية المطاف .

وقد ترتب على سير الجغرافيين في العقود الأخيرة على درب العلوم الأصولية ؛ في الاتجاه نحو التخصصات الدقيقة ، ظهور أقسام وفروع جديدة ، أخذت تتكاثر بسرعة شديدة ، وتطالعنا بأسماء غريبة ، كجغرافية النمل والنحل ، وجغرافية الجوع والفقر ،وجغرافية الجريمة والدعارة ، وجغرافية الملاريا والبلهارسيا ، وجغرافية التحليل والتركيب ، و جغرافية الأمراض والانتخابات ، وجغرافية الفو لكلور والأمثال الشعبية ، وجغرافية الطقس والوهم . ..إلخ. وهذا ما حدا بأحد الجغرافيين البارزين إلى القول: إن ((هناك جغرافيات أو تخصصات جغرافية بقدر عدد الجغرافيين)).

ولا شك في أن الاتجاه نحو التخصصات الجغرافية الدقيقة ، يرجع في أصوله إلى أولئك الذين دخلوا الجغرافية من الأبواب الخلفية . ومعظم أولئك من أبناء الجيل الأول من الجغرافيين الذين لم يكونوا جغرافيين ، بل كانوا من المتخصصين أصلاً في العلوم الأصولية ، من أمثال (ريختوفن، وبنك، وديفز)، الذين كانوا جيولوجيين سابقاً ، ثم أصبحوا جيومورفولوجيين لاحقاً. و (هان) المتيورولوجي في الجغرافية المناخية ، و (لوبلاي، ودومولان) الاجتماعيين في الجغرافية الاجتماعية… إلخ. وهذا التنوع والتباين في خلفيات رواد الجغرافية الحديثة ومؤسسيها جعل كلا منهم يركز على الجانب الذي ينسجم مع خلفيته العلمية ، فأثر في فهمه لطبيعة الجغرافية ومنهجها .

ومما يجدر ذكره ، أن هذه الفروع الجغرافية الحديثة ، لجأت إلى اعتماد الأساليب المستخدمة في العلوم الأصولية نفسها ، وحالفها الحظ في بعض الأحيان ، فانتهت إلى النتائج التي انتهت إليها العلوم الأصولية نفسها . وهذه النهاية في حد ذاتها أفقدت الجغرافية هويتها ومبررات وجودها ، كعلم له موضوعه ومناهجه وأهدافه الخاصة . وهكذا، خضعت الجغرافية لاقتصاد السوق ، واستسلمت لخدمة عالم الإنتاج ، ضحية للمبالغة في التخصص . وهذا ما عرض وحدتها للتفكك ، واتجه بها من التعددية إلى التحررية من كل القيود ، ومن ثم إلى الفوضوية التي تهدد كيانها ووجودها . فالجغرافيا علم مهدد بالزوال والفناء في نهاية المطاف ، ولا ريب في أن أوضاعه تجعل التهديد يأتي من داخله ، أكثر مما يأتي من العلوم الأخرى المتصلة به .

 

منقول عن : https://almerja.com/reading.php?idm=160997

عن الدكتور مضر خليل عمر الكيلاني

متقاعد حاليا ، ارحب بكل من يحتاج مساعدة للتعلم واكتساب خبرة في البحث العلمي ، والجغرافيا بشكل خاص ، وكلي استعداد لتقديم يد العون ، لوجه الله .

شاهد أيضاً

منهجية واساليب تحليل الظواهر والمشكلات الاجتماعية من منظور جغرافي

منهجية واساليب تحليل الظواهر والمشكلات الاجتماعية من منظور جغرافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *