الرئيسية / فكر جغرافي معاصر / جدلية المكان وموقعه النسبي

جدلية المكان وموقعه النسبي

الحضارات-الفرعية

الضرورة المكانية للذاتية

جدلية المكان الاجتماعية 1

جدلية المكان الاجتماعية

جدلية-المكان-الاجتماعية

جدلية المكان الثقافية

جدلية المكان وموقعه النسبي

          المكان ، اي كانت طبيعته وموقعه ، ما الذي يحدد قيمته ؟ فبالاضافة الى اهميته التي ياخذها من خصائصه وسماته الذاتية ، له ما يعزز او يقلل من قيمته ، انه موقعه النسبي بالنسبة للاشياء و الاماكن والمواقع الاخرى . وقد لا يتغير المكان ، ولكن قيمته و اهميته تتغير بما يجري حوله ، او بالسمات والخصائص التي تضاف اليه او يحتويها . فالمكان ثابت في موقعه \ في مكانه ، ولكن اهميته النسبية هي التي تتغير ، وهذه سنة الحياة . فالسكون لكل شيء يعني الموت .

مثال بسيط ، لو بنى احدهم دارين متشابهين معماريا في كل شيء عدا موقعهما ، فهل نتوقع ان تكون قيمتهما التجارية واحدة ؟ وأن يكون الطلب عليهما متساويا ؟ بالتاكيد لا ، فتوفر الخدمات والمنافع العامة والبنى التحتية الاساسية في المنطقة سيحددان الفرق في الطلب وفي القيمة المادية . يضاف الى ذلك اثر موقعهما من الشارع (ركن ، وسط) وطبيعة استعمالات الارض فيه (صناعية ، تجارية ، مختلطة ، سكنية) .

ولو قام شخص اخر ببناء بيتين متجاورين بالمواصفات المعمارية نفسها ، وقام بتجهيزهما بالمستلزمات والاثاث نفسها ، واسكن فيهما ابنتيه اللتين تزوجتا حديثا . و لسبب ما سافر بعيدا وعاد لزيارتهما بعد سنة ، فهل سيجد تباينا بين البيتين ؟ ام لا ؟ ولماذا ؟  المكان نفسه لم يتغير ولكن سماته تبدلت ولو جزئيا نتيجة تباين الاهتمامات و مدى الجدية في المحافظة على النظافة والترتيب و اختلاف الاذواق . وقد تتدخل ظروفا اقتصادية او نفسية او اجتماعية كعوامل خارجية لاحداث التغيرات الملاحظة وتعجيلها .

سوق المدينة ، خلال عقد من الزمان ، او اكثر ، تبقى المنطقة التجارية ضمن التصميم الاساس للمدينة ، ولكن بؤرتها تحركت (زحف المنطقة التجارية) ، فتركت ورائها مجالا للتغيرات التي قد لا ينتبه لها الا المختص والمتابع لامر السوق . فنوعية الوظيفة التجاري قد تغيرت ، البنية الوظيفية لها سايرت التطورات الحاصلة في السوق العالمية و لهثت وراء الجديد من التقنيات العصرية . التغيير شمل ايضا ، او لنقل بدأ ، بسعر الارض و ايجار المحال التجارية في هذا السوق . مكان السوق بالنسبة للمدينة لم يتغير ، ولا وظيفته الرسمية ، ولكن قيمته التجارية و الحضارية قد تبدلت مسايرة للزمن . وكما هو معروف ، لكل شيء دورة حياة ، كائن حي او جماد . ولكل مرحلة من مراحل الحياة سماتها و خصائصها و قوتها ومكانتها \ قيمتها الذاتية والموضوعية .

وبؤرة السوق التجارية (منطقة 100%) ، يتم التنافس للحصول على موطئ قدم فيها ، رغم ارتفاع اسعار الارض فيها و شدة المنافسة عليها ، والسبب لتبوأ مكان الصدارة تجاريا . وهذا صحيح في فترة زمنية محددة ، وذلك لان هذه البؤرة ستتحرك بفعل عوامل داخلية وخارجية تحدد اتجاه الحركة وسرعتها ، وهكذا يستمر اللهاث للحصول على موقع في المكان الجديد .

ضواحي المدن واطرافها الحضرية ، كانت رغبة السكن فيها فقط لمن تتوفر له سهولة الانتقال منها واليها  (للعمل ، للتسوق ، وغيرها من امور الحياة اليومية) . الان ، بعض هذه الضواحي ، وبسبب انتقال الاسواق الكبيرة (المولات) و مدن الالعاب ، والمشاريع التجارية والخدمية التي تعتمد التقنيات العصرية ، اصبحت محط انظار العديد من الاشخاص والاسر والمطورين . فاسعار الارض فيها انقلبت راسا على عقب ، نتيجة هذه التغييرات في استعمالات الارض . فالمكان بقي نفسه ، ولكن بيئته (العمرانية ، الاقتصادية ، الاجتماعية ، السياسية) قد تغيرت . يقابل ذلك التغيرات (في كل شيء) في مركز المدينة و داخلها . مقارنة بسيطة بين الاثنين (المركز والاطراف) عبر فترة (10 – 30) سنة في مختلف جوانب حياة المدينة وتركيبتها الاقتصادية والاجتماعية والسكانية (الديموغرافية) توضح ما نرمي اليه . لنستخدم الصور الذهنية التي نمتلكها لهما و نحكم بانفسنا على المكان وقيمته النسبية .

بالجانب الاخر ، المعنى الاخر للمكان غير العمراني ، ما هي قيمة المكان (المنصب) ؟ بموقعه الوظيفي ؟ ام بشاغله ؟ ام بالمطبلين و الراكعين حوله ؟ وما طبيعة التنافس عليه ؟ والى اي مدى يبقى المكان (المنصب) لشاغله ؟ جوانب يتجاهلها ذوي المناصب ، وتشغل فكر المتضررين من سوء استخدام الموقع و الغلو في اهميته النسبية . يضاف الى ذلك ، التغيرات في الهيكل الاداري تؤثر بطريقة واخرى على تراتب اهمية المواقع \ الاماكن \ المناصب . فلا شيء ثابت .

عندما كنت صغيرا كنت معجبا بتلسكوب ورقي يحتوي اوراق منشورية مثلثة ملونة تتحرك مع حركة الناظور Kaleidoscope . اكتشفت لاحقا ان حياتنا ضمن هذا الكاليديوسكوب …. فالالوان تتحرك و مواقعها تتغير اماكنها ، و نظرتنا تتبدل ولا شيء ثابت في مكانه او حالته . عرفت ان الحياة في الحركة وليس في السكون ، فالسكون يعني انتهاء الدورة و الانتقال الى دورة اخرى . فلنتعض لما بقي من العمر .

عن الدكتور مضر خليل عمر الكيلاني

متقاعد حاليا ، ارحب بكل من يحتاج مساعدة للتعلم واكتساب خبرة في البحث العلمي ، والجغرافيا بشكل خاص ، وكلي استعداد لتقديم يد العون ، لوجه الله .

شاهد أيضاً

مقالات في الفكر الجغرافي المعاصر

التباين المكاني الاطفال في الفكر الجغرافي جغرافية الجبل الفلسفة والعلم والجغرافيا البنيوية واخواتها تحت المجهر ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *